محمد عبد الله دراز
292
دستور الأخلاق في القرآن
الأمر أنّي أرى الأشياء من زاوية تجعل سلوكي لا مؤاخذة عليه في نظري ، فموقفي شبيه بموقف القاضي ، الّذي يسأل نفسه في مواجهة حالة معينة عن المادة الّتي تنطبق عليها بشكل أفضل . أو ما التّفسير الأحسن لتلك المادة ؟ أو ما درجة امتدادها ؟ . . وهل من الممكن أن تنطبق على الحالة المنظورة ، ولكن القاضي - مع هذا كلّه - ينتهي مع شديد الأسف إلى تبني حكم خاطئ . ولنأخذ مثالا آخر ، يتعلق بالمقاتل ، وهو مثال نأخذه من القرآن ، فقد ألاحق عدوا شرسا ، فأضطره إلى السّقوط ، والعجز ، فيطلب السّلام ، ويضع السّلاح ، وأسأل نفسي إذا كان هذا فعلا طلبا مخلصا ، أو هو مجرد حيلة استراتيجية ، ثمّ أنّني أحكم تبعا لماضيه القريب ، وصفته الحاقدة ، وأفترض أنّه لا يمكن أن يكون قد تغير فجأة ، فأقرر قتله ، وأقتله . فالعمل الّذي تمّ على هذا النّحو هو عمل إرادي ، ومقصود ، ولكنه ليس مقصودا بالمعنى الكامل ، هو مقصود بوصفه الطّبيعي ، لا بوصفه الأخلاقي ، لقد كان لدي القصد إلى أن أقتل إنسانا ، ولكن لم يكن لدي القصد إلى مخالفة القانون ، لأنّي بدأت بافتراض أنّه خارج على القانون . والعمل الّذي يتم بهذا اللون من النّيّة يصفونه بعامة بأنّه ( عمد بشبهة ) ، أو ( عمد بتأويل ) ، وهو في مقابل ( العمد بغير شبهة ) ، من ناحية ، و ( الخطأ ) من ناحية أخرى . وبعد هذا التّقسيم الثّلاثي نأخذ العمل « العمد بشبهة » لنميز فيه نوعين من التّفسير المسوغ ، أحدهما « ذو التّأويل القريب » وهو الّذي يعذر ، والآخر « ذو التّأويل البعيد » ، وهو الّذي يدين .